تاسيتي نيوز

محمد شمس الدين يكتب: مجلس الشركاء والأخوين دقلو في مواجهة الشارع 

بقلم: محمد شمس الدين 

يبدو أن الوثيقة التي حملت قرارا من رئيس مجلس السيادة بتشكيل مجلس شركاء الفترة الانتقالية التي سربت يوم الثالث من ديسمبر على الرغم من توقيعها في الأول من ديسمبر سوف تحدث عاصفة من الرفض القوي في الشارع السوداني خاصة في أوساط شباب لجان المقاومة الذين ما أن وصلتهم نسخة من الوثيقة "المسربة" عبر واتس اب كما وصلتني إلا وانبرى عدد من النشطاء عبر صفحاتهم الثورية ببيانات وفيديوهات تدعو لرفض هذه الوثيقة التي وصفوها بأنها "انقلاب على ثورة ديسمبر المجيدة" وأنها "شراكة دم".

وإذا مانظرنا إلى ظروف وحيثيات تسريب الوثيقة سنجد أنها سلكت في ظهورها بابا خلفيا في محاولتها للتسلل بحثا عن القبول في أعين الناس، وقد اعتدنا على أسلوب التسريبات إبان فترة المفاوضات بين المدنيين والعسكريين حين كانت تسرب الوثائق قبل التوقيع عليها. 

منطلق الرفض في هذه الوثيقة ألخصه في النقاط التالية: 

 أولا: الوثيقة لم توضح آلية تشكيلها في المادة 80 التي تشرع تشكيل هذا المجلس والتي فوجئ السودانيون جميعا بها أنها أدرجت في الوثيقة الدستورية مع عدد من التعديلات على باقي نصوص الوثيقة في عملية جراحيةأجريت لها في أكتوبر الماضي.. أي أن المفاجأة كانت مضاعفة، فبينما كان الشارع ينتظر نقاشا مجتمعيا حقيقيا فيه أخذ وعطاء عبر وسائل إعلام الدولة والخاصة بما جرى التوافق عليه بين السلطة والجبهة الثورية في جوبا.. فوجؤوا بدلا عن ذلك بسلسلة من عروض مسرحيات احتفالات السلام التي تعمدت تصدير شكل ومنظر عام للتوافق وأشركوا فيه بعض قيادات قوى الحرية والتغيير في خطة محكمة لتشتيت انتباه الشارع عن الحدث الحقيقي وهو ماتم "التوافق عليه" لإدراجه في الوثيقة الدستورية في لحظة انشغال الشارع بعروض المسرحيات في جوبا وفي الخرطوم.

ماكان يخشاه الشارع وقع رغم تحذيرات الكثيرين من خطورة ذلك، إذ تم الترتيب لذلك في الظلام، إلى أن تم إيداعه الجريدة الرسمية كمن يقوم بتهريب ممنوعات في الظلام، وإنه لأمر عجاب أن يقبل الجميع بمناقشة أمر كان محرما لعقود كأمر السلام مع إسرائيل في العلن "لأن هذا هو الصحيح".. وأن يتسلل البعض من وراء حجاب على أطراف أصابع قدميه ومعه مايخالف إرادة الشارع في مايتعلق باستحقاقات الوطن من مدنيين وعسكريين بهدف فرض أمر واقع يتم تعزيزه بنصوص دستورية تحصنه.

 

ثانيا: هذه الوثيقة كتبت على عجل وبعبارات فضفاضة وغير مباشرة ويتضح من عباراتها أنها لم تحصل على الحد الأدنى من التوافق الداخلي بين مكونات أجهزة الحكم ومدنيي مجلس السيادة وعلى رأسها رئيس الوزراء الذي لا أظن أنه سيضع نفسه في حرج مع الشارع أكثر مما وجد نفسه فيه بأن استغل في شخصه في هذه المسرحيات - وكان يظن أنه سيظهر بمظهر يليق بمن أتوا به- وهو في غاية الاعتزاز بهم وأقصد الشارع وليس قوى الحرية والتغيير، والسؤال هنا ما جدوى مجلس غير واضح المعالم بناء على الوثيقة التشريعية.. وماجدوى مادة تشريعية فيها لاتنظم اختصاصات واضحة لأي جسم يتشكل بموجبها.

ثالثا: الوثيقة بها عبارات تمنح من كتبها لمصلحته حرية التحرك القانوني بأن تنحت لنفسها قوانين وسلطات وتعين أشخاصا ترى أنها بحاجة إليهم في إنجاح عملها وهذا يفسر محاولة تمرير مستجدين على المشهد السياسي لمنحهم صفة رسمية.. 

رابعا: الوثيقة تجاهلت عدة مكونات كانت محل نقاش منذ اليوم الأول في الثورة.. تجاهلت تماما المرأة التي لم تحصل على ما وعد به رئيس الوزراء حين أتى واعترف بذلك في آخر لقاء تلفزيوني له الشهر الماضي، 

- تجاهلت تماما مدنيي مجلس السيادة 

-تجاهلت تماما تمثيل الأقباط الممثلين وإن بصورة رمزية في الجهاز السيادي دون غيره. 

- تجاهلت تماما قوى الثورة الحية ممثلة في لجان المقاومة والأحياء واكتفى بثلاثة عشر من قيادات الأحزاب التي لم تعد تمثل إلا نفسها وتفكك عمليا تحالفها وبالتالي خسرت شرعيتها كحاضنة سياسية.

- تجاهلت تماما أطرافا مازال التفاوض معها جاريا للالتحاق بركب السلام.

خامسا: الوثيقة لم تمنح أحدا أي صفة غير العضوية إلا رئاسة المجلس لعبد الفتاح البرهان وهو من المكون العسكري، حتى أنها وضعت رئيس الجهاز التنفيذي عبد الله حمدوك مجرد عضو، كما أنها لم تحدد نائبا للرئيس لا بالمنصب الذي يشغله ولا بالاسم. 

سادسا: إن كان المقصود تشكيل جسم يجمع شركاء الحكم فأين بقية القوى التي مازالت هناك مفاوضات جارية معها خاصة وأن لها وزنا وثقلا وإلا لما حدث تفاوض معها وأعني هنا حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد النور.. ولماذا لم يحرص من خط الوثيقة على انتظار مخرجات سلام الشرق لتسمية ممثلين عنهم.

سابعا: الوثيقة ألحقت اسما جديدا لمكونات الحكم دون أي استشارة لبقية الأطراف - هذا على افتراض موافقة المكون العسكري- وهو شقيق قائد قوات الدعم السريع، ليستحوذا على ثلث مقاعد العسكريين في المجلس وهو مايعد صبا للزيت على النار، إذ أنه من المعروف في أي مؤسسة في العالم خاصة كانت أو عامة أن التعيينات التي تكون متعارضة مع مبدأ العدالة في توزيع الفرص والشفافية والنزاهة كالتعيينات العائلية فإنها مستبعدة إلا باستثناءات أهمها احتياج المؤسسات لكفاءة الشخص لندرة ذلك.. فمابالكم بمؤسسة يملكها دافعوا الضرائب وينادون منذ اليوم الأول بأن تعود لها قواعدها وهيبتها وأن تمنح الجميع الفرصة على قواعد سليمة، وما محاولة إدراج اسم شقيق دقلو إلا خطوة نحو فقدان مزيد من ماتبقى من ثقة لدى الشارع في قيادات المؤسسة العسكرية الحالية.. وما انتظار الشارع وصبره كل هذه المدة على هيكلة المؤسسة العسكرية إلا في سبيل منحها الوقت لتعيد هيكلة نفسها وتستوعب أي قوة اتخذت شكلا عسكريا في فترة من الفترات تحت مظلتها "الرسمية" حتى تحظى بالقبول الكامل من الشارع بدلا من الإصرار على الظهور بمظهر الضعيف الذي لايملك زمام أمره ويسعى لمعاندة الشارع من أجل العناد بهدف صرف النظر عن التحديات الفعلية التي تواجه.

وبصراحة كاملة فإن الشارع يرغب في أن يرى جميع من حملوا السلاح وهم يؤدون القسم أمام القائد الأعلى للقوات المسلحة ( قائد قوات الشعب المسلحة) ويؤدون تحية العلم كذالك أمام الشعب ويتعهدون له في قسم مغلظ بأنهم سيدافعون عنه وأن ولاءهم له.. وأن ينشر المرسوم الذي يعلن أن جميع القوات التي تحمل السلاح على أرض السودان باتت مدمجة ضمن وحدات وأركان قوات الشعب المسلحة وتتلقى أوامرها من قائد واحد، وأن يعلن رئيس الوزراء أن شركات القطاع العسكري والأمني جميعها تعمل تحت مظلة النظام الضريبي الذي  يصب في خزينة الشعب. فإن حدث ذلك فقد أثبتت المؤسسة العسكرية بأنها مؤسسة موحدة تمتلك زمام أمرها وإلا فمزيد من نزيف ماتبقى من ثقة.

وأخيرا لابد من الإشارة لتفاعل التلفزيون الرسمي مع الوثيقة المسربة على أنها أمر مسلم به وإيراد محتواها في صدارة نشرة التاسعة في يوم تسريب الوثيقة وفي موجز أخبار التاسعة صباح اليوم التالي على الرغم من أنها لم تنشر في صفحة المجلس السيادي الموثقة وهي القناة التي اعتمدها المجلس لتبني أي قرار بصفة رسمية، كما ولم يصدر بشأنها أي تصريح على لسان أي من أعضاء مجلس السيادة .. وهذا أمر غاية في الغرابة إذ أن مايستدعي اهتمام الشعب لايتناوله التلفزيون في حينه وكما يجب،  وماليس برسمي يسارع التلفزيون على التعامل معه كأنه أمر رسمي نهائي.. في ممارسة تضاف إلى سلسلة الكوارث اليومية التي ترتكب باسم هذا الجهاز الحيوي دون أي محاسبة أو رقابة، وكأن هناك توافقا وتواطؤا على الإبقاء على هذا المشهد العبثي لهذه المؤسسة الحيوية.. وكتبت وسأكتب عن التلفزيون إلى أن ينصلح حاله.

إلى اللقاء

سعر الجنيه السوداني الآن
رأي ومقالات
هلالويا  ونص وخمسة يا حمدوك !!
 لن يأتي خير لمايكل أفندي على يد الغوغاء الذين دمر آباؤهم كنائس سوبا بمعمارها الخرافي وحدائقها البهية برسومات فنانيها ال
الأوفياء يحتفلون بعزيز لدينا ولهم...
لم يجف الدمع علي علي السيد ..إذ بنا نفجع في عمنا واستاذ الهدوء والصبر والسكينة الاستاذ تاج السر محمد صالح .. رحل صاحب ال
ثلاث تجمعات للمهنيين(1964-1985-2018)في حياة الإمام (4-5)
كان الإمام ذو حس فكاهي، يتعاطى النكات والدُعابة ويصنعها، وحينما وصلنا إلى العاصمة أديس أبابا في ديسمبر 2014م وبعد تعقيدا
ثلاث ثورات وثلاث انقلابات في حياة الإمام 2
يواصل الكاتب في سللة مقالاته ذات الطابع التوثيقي لحقبة المهمة من تاريخ السودان تمحورت حول شخصية الإمام الصادق المهدي