بين تروس الكرامة وبندقيات السيادة الزائفة ..اتكاءة على تربة الشهيد كشة

بقلم: قاسم يوسف احمد المصطفى

يقول سارتر: ليس للحاكم المستبد ملجأ حين يفقد الامل الا القوة، وليس للمواطن خيارا الا العبودية او السيادة.. العنف السلطوي لا يكتفي عند حدود اخضاع البشر المستعبدين ، وانما يحاول ان يجردهم من انسانيتهم ، ولا يدخر جهدا ان يقضي على تقاليدهم لاجل هدم ثقافاتهم دون ان يعطيهم ثقافة .

لن يمل الحاكم المستبد من ارهاق مواطنيه نفسيا فاذا ظلوا يقاومون رغم الجوع والمرض فأنه يلجأ الى سلاح التخويف (اجتياح الخرطوم) فقد مثلت الحركات المسلحة في دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق الفزاعة التي يستخدمها المركز لاعادة التوازن الداخلي كلما احس هذا المركز بتصاعد قدرات المقاومة ، ولكسر شوكتها فأنه يستثير الصراخ (على طريقة هجم النمر) ويعلي من قرون استشعار الكارثة المدعاة من جانبه ، ويستبدل النظام الاستصراخي هوية حركات النضال الثوري المسلح السودانية الاصل ليشيطنها كحركات عنصرية بغيضة توظيفا لاجندة مشروعه الاسلاموعروبي ، فتنقلب الفزاعة في اعلامه الى مجموعات غاصبة تستهدف المواطنين في عرضهم ودينهم ، ويستغل النظام الاستبدادي الظرف المختلق لينشر جنجويده وعسسه لملاحقة لجان المقاومة وقوى الثورة والتضييق عليهم وحين يضيق ذرعا من صبرهم يصوب بنادقه عليهم ، وحينها يأتي بطفيلييه للاقامة على الحواكير فيكرهون الاهالي على الزراعة بالقوة ، فاذا قاوم الناس الاوامر فأن السلطة الغاشمة لا تستحي من اطلاق النار عليهم ويصبحون ميتون ، واذا خضع الناس انهاروا ولم يعودا اناسا ، ويمزق العار والخوف روحهم ويحطمان كيانهم.

ان جنون القتل انما هو الشعور الجمعي لقوى الشر الكامنة في الجيش والامن والدعم السريع والشرطة وكتائب الظل في زمن عجزهم ، وسلاح الثائر هو انسانيته .

والانسان الجديد يبدأ حياته في زمن العسف وقت اكتمال انسانيته ، فهو يرى ذاته ميتا من الوهلة الاولى فياتيه اليقين انه مقتول ، فقد احباءه ، وبلغ من فرط رؤيته لاحتضار الاخرين انه لا يريد ان يعيش بقدر ما يريد ان ينتصر ، فغيره سيستفيد من النصر ، ولهذا لكل انسان الحق ان يقود افكاره كما يشاء شريطة ان يفكر .

لو لم يوجد الاضطهاد والاستغلال في الارض فأن السلمية التي ينادي بها الثوار قد تنفع في تهدئة الصراع ، اما وان السلمية التي ينادى بها هي تكتيك نتاج اضطهاد تطاول عمره مئات السنين منذ ما قبل الدولة السنارية ابتدعه الثائر لتحييد آلة العنف التي يستخدمها المستبد .

ففي السودان ، الحاكم الاسلاموعروبي لم يستطع ان يكون انسانا الا بأبتداع مفردة العبيد ، ولذلك خيرا للمرء ان يكون مواطنا اصليا من ان يكون اسلاموعروبيا ، والحاكم الاسلاموعروبي يستمد حقيقته من كونه استعماريا ، وهذا الاسلاموعروبي يصبح انسانا بقدر ما يحقق عملا يحرر فيه ذاته من اغلال المفاهيم التي تكبله .

في بلدان العالم الاول نرى اساتذة للاخلاق والمصلحين يقفون بين الثائر والسلطة ، بينما في بلدان العالم الثالث فان الشرطة ورجال الامن يشكلون الحضور المباشر والتدخل السريع ، والمصلح ورجل الدين ينصحان المستبد بادوات العنف المباشر حتى لو ادت الى القتل ، الوسيط هنا لايخفف الاضطهاد ولايجعل على السيطرة حجابا .

السلطة الحاكمة تسعى دائما لعقد الصلات بالنخبة المثقفة وتحاورهم حول القيم ، وفي الوضع الاستبدادي لاتتجرأ النخبة لقول الحقيقة ، والنخبة غير واضحة المواقف في مسألة العنف هي عنيفة في الاقوال اصلاحية في المواقف والاحزاب تقول شيئا وتعني غيره ، والسلطة الحاكمة ليس فكرا وليست لها عقل ، هي عنف ولا يمكن ان تخضع الا لعنف اقوى (شباب المتاريس) ، وعماد انتصار العنف هو انتاج الاسلحة واستخدامها او ابطال مفعول الاسلحة (الصدور الفاتحة للرصاص) .

رجال السياسة يجعلون الشعب يحلم ويتحاشون نسف النظام القائم ، بين عنف النظام الحاكم والعنف السلمي نوع من التقابل والانسجام ، والانتصار الجزئي يرد الى الثوار الشعور بالذات ويعزز الكرامة ، لكن ذلك لايبني مجتمع ، العنف الحاكم والعنف السلمي يتوازيان ويتجاوبان وان اشتداد العنف لدى الثوار سيكون مرافقا للعنف السلطوي المرفوض ، والشعب لايحصي ضحاياه بل يقرر الرد على العنف بالعنف ، والنظام الحاكم يحاول دائما ان يجعل احلام الثوار في الحرية والسلام والعدالة مستحيلة ، قمة ما يطمح له النظام الحاكم هو ان يتصور كل الوسائل ممكنة لابادة الثوار (فض الاعتصام) ، والبحبوحة التي يتمتع بها الناس في السودان الان هي عار قامت على اكتاف شهداء الثورة وتغذت من دمائهم ، وكراسي السلطة الانتقالية جاءت من عرق وجثث الثوار لان النظام الحاكم قال جهارا ما دمتم تريدون الحرية فخذوها وموتوا .

ان الآفة التي تعيب الاحزاب السياسية في السودان هي انها تهتم بالعناصر الواعية من الشعب ، وهي في ذات الوقت تنظر بارتياب كبير للمهمشين ، هم يخافون من المهمش لانهم يدركون ان هذا الانسان يحتقرهم في قرارة نفسه ، والمناضل الحزبي يمارس الاستهبال السياسي فهو يتغطى من الملاحقة الامنية بالتدثر بالمهمشين للوصول الى غاياته وبعدها يتقلد البراغماتية منهجا لصرف المهمشين عن وجهه .

ان القتال في الثورة لايتم في المكان الذي يكون فيه الثوري ، بل في المكان الذي يذهب اليه ، ان كل ثائر ينقل الوطن الى حيث تمضي قدماه الحافيتان وصدره العاري .

والثوار قد يصمدون ثلاثة ايام وربما اكثر باستعمال الحقد المتراكم في صدورهم ، ولكنك لاتستطيع ان تنتصر اوتحطم ارادة العدو اذا اغفلت رفع مستوى الوعي لدى الثائر ولايكفي تأجيج الحماسة وعنف الشجاعة وجمال الشعارات .

التعصب العرقي والكره والحقد والرغبة في الانتقام كل ذلك لايغذي الثورة .

على الثوري ان يفهم تنازلات الخصم يجب الا تضلل الحقيقة ، هناك تنازلات ليست في حقيقتها الا اغلالا .

هناك فئات لها مصالح خاصة ، يجب ان يدرك الثوار ان هناك اناسا ينتهزون فرصة الثورة لتعزيز وضعهم المالي يتاجرون ويحققون ارباحا على حساب الثوار الذين يضحون بانفسهم .

الشعور القومي ما لم يكن تجسيدا منسجما مع طموحات الشعب وما لم يكن ثمرة للتعبئة الشعبية فلن يكون الا شكلا سريع الزوال .

ووحدة الشعوب السودانية لا يمكن ان تتحقق الا باندفاع الشعوب وقيادتها والبلاد التي تريد ان تحل القضايا التاريخية يجب عليها ان تجمع القوى المطلبية ذات المصلحة في التغيير ، قد يعجز رجل منعزل عن فهم مشكلة من المشاكل ولكن الجماعة في القرية بكاملها قادرة على فهم الامور في سرعة ، يجب ان لا ننصرف الى ايجاد الفرد البطل الاسطوري بل يجب ان نرفع مستوى الشعب ان ننمي عقل الشعب ونجعله انسانيا .

ان الانتقال من القمة الى القاعدة ومن القاعدة الى القمة هو المبدأ الصلب الذي نتمسك به .هناك تساوي مطلق بين الكرامة والسيادة فالشعب الذي يتمتع بالكرامة هو الشعب الذي يتحمل المسئولية وكل متفرج هو جبان او خائن (فض الاعتصام وتفرج الجنود) ولا وجود لامة الا ببرنامج تنضجه قيادات ثورية وتعتنقه الجماهير اعتناقا قائما على الفهم الواضح والحماسة الثابتة .ان الهدف الذي حاول النظام الحاكم ترسيخه ان يدخل في وجدان الشعب ان رحيله سيعرضهم الى الفوضى والهمجية .

من الاخطاء الفادحة التي يصعب الدفاع عنها ان نحاول تحقيق تجديدات ونحن لانزال في ظل السيطرة للنظام السابق ، والعمل المنظم الواعي الذي يخوضه الشعب لاستكمال الثورة هو اكمل مظهر ثقافي ممكن لان الوعي هو انضج شكل من اشكال الثقافة ، والنظام القديم من حيث هو نفي منظم للاخر يدفع الناس الى التساؤل من نحن؟

ما من طريق غير مواصلة الثورة لطرد الاكاذيب والوهم ، واول خطوة في فضح الوهم الوقوف على الحقيقة ، واستبانة الحقيقة تبدأ بالعدالة الانتقالية .

نحن لا نريد اللحاق باحد ، ولكننا نريد ان نمشي طوال الوقت ليلا ونهارا مع الانسان في صحبة جميع الشعوب السودانية ، من اجل انفسنا ومن اجل الانسانية ، يجب علينا ان نلبس جلدا جديدا ، ان ننشئ فكرا جديدا ان نخلق انسانا جديدا .

سعر الجنيه السوداني الآن
رأي ومقالات
"أنْتِيفا" التي يَتّهِمها دونالد ترامب.. ما لها وما عليها، وما هي؟
ما هي أنْتِيفا ـ Antifa ـ، الحركة اليسارية الراديكالية التي يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعْلانها "مُنَظّمة .....
نجوى قدح الدم...رحيل مبكر لم ينتظر الغد..
عندما يهب الموت واقفاً فلا تستأخر قبضته..ومنذ رأيتها في ثمانينات القرن الماضي في أروقة جامعة الخرطوم لفتنا فيها الحذاقة
يونيو من مايو، والبشير من النميري:حقائق حول أسْطوانة مَشْروخَة
# كان النميري يَحْكُم السودان بالودِعِ أوّل عهده، وآخِره بخُزَعْبِلاتِ الذين لَحَسوا عَقْله، لذلك تنقّل مِن فَشَلٍ ...
نذر مواجهة إعلامية قادمة
في مخاطبته العيد الثمانين لـ (هنا أمدرمان) قبل أيام ذكر السيد لقمان أحمد مدير الهيئة العامة للإذاعة....