رفيدة ياسين

جوانا أمل

 هنا مافي حزين هنا بس في بطل إحنا قويين جوانا أمل..هذه الكلمات هي أول ما طرق آذاننا عند وصولنا إلى استراحه الأطفال مرضي السرطان في منطقة المعمورة بالخرطوم.

كلمات تسمعها بصوت الفنان الموهوب الشاب أمير يصدح في أرجاء المكان ليملأه بالفرح والتفاؤل والأمل..نعم الأمل رغم الألم الذي ينهش أجساد الصغار الغضة، فعنوان هذه المساحة هو جوانا أمل. هذه الدار الكائنة في شارع الستين تحتضن عشرات الأطفال من مرضى السرطان وتكاد يكون المساحة الوحيدة المتاحة لاحتواء الصغار ومرافقيهم القادمين من الولايات ولا مأوى لهم في العاصمة.

فكرة نبيلة بدأت صغيرة من قلوب كبيرة مستمرة رغم شح الإمكانيات في تقديم كل الممكن والمتاح لانقاذ حياة هؤلاء الصغار ولكن بجهود فردية.الدار تحولت في وقت وجيز من مقر قديم ومهجور إلى بيت مهيأ للاعتناء بالصغار من مرضى السرطان على كافة الأصعدة خاصة النفسية، فمنذ أن تدلف إلى المكان تبهرك مستوى نظافته وتصميمه وتناسق الألوان المنتقاة بعناية.

كل شيء هناك يشع بالنور بدءً من باحة المدخل المصممة على الطراز التقليدي مرورا بالنظام الغذائي الدقيق وليس انتهاءً بغرفة الترفيه واللعب.لم يغفل كذلك القائمون على أمر الاستراحة من متطوعين أهمية التعليم خشية تسرب الأطفال من الدراسة فأقاموا فصلا خاصا لتعليمهم بمختلف الأعمار من سن الرابعة وحتى العاشرة تقريبا.

مجموعة من الجنود المجهولين يواصلون ليلهم بنهارهم في خدمة المكان والعائد الوحيد الذي ينتظرونه ابتسامة من هؤلاء الصغار أو نبأ سار بتعافي أحدهم أو حتى إعادة الأمل لدى ذويهم بأن الشفاء ممكن رغم قساوة رحلة العلاج.تعتمد الخدمة المقدمة في هذه الدار على التبرعات فقط وهي تمضي منذ سنوات بالدفع الذاتي دون اهتمام يذكر من الجهات المعنية والمسؤولة.

يتبادل شباب وشابات من خيرة أبناء وبنات السودان الأدوار لتقديم خدمات الإسكان والإعاشة كاملة والتنقل والعلاج والعمليات والتعليم والترفيه لهؤلاء الأطفال ومرافقيهم اعتمادا على دعم الخيرين المتقطع من هنا وهناك.

كانت لدي مشاعر مختلطة عندما زرت الدار مؤخرا فقد انتقلت إلي حالة الأمل هذه من الشغف والحب والطاقة الإيجابية الموجودة عند المتطوعين، فكم كان فخورا الشاب النبيل مجاهد عمر وهو يحدثني عن إحدى الطالبات الجامعيات التي تتبرع للدار بمصروفها اليومي البسيط وتأتي مع زميلاتها يوم العطلة لإدخال الفرحة في نفوس الصغار واللعب معهم، وكيف كانت الشابة هناء سعد ناكرة لذاتها وهي تنسب المجهود للمتطوعين الثابتين من زملائها أحمد عباس إاسلام يس وآمنة صلاح ومحمد صلاح وسلافة حامد، وكذلك لم يخبرني علم الدين آدم أنه يأتي مباشرة بعد انتهاء دوامه الرسمي لحراسة الاستراحة ليلًا وقضاء كافة المتطلبات والاحتياجات فترة الليل عوضا عن زملائه المناوبين صباحًا بل أبلغني مجاهد صدفة في سياق الحديث عندما سألته ماذا عن الفترة الليلية وهو يشرح لي كيف تتم إدارة المكان.

لاحظت أن لا أحد ممن التقيتهم كلمني عما يفعل بل حرص الجميع على إخباري عن ما يأملون أن يحدث أو يتحقق لهذه المساحة التي غدت بيتا دافئا يضج بالحياة رغم كل شيء. ربما كان الهم الأكبر الذي يشغل المتطوعين هنا هو التهديد بطردهم وقلقهم على مصير اليافعين من مرضى السرطان في حال نفذ مالك المنزل مساعيه في رفع نسبة ايجار الدار من ١٨ الف إلى مئة ألف شهريا بعدما بذلوا من جهود منذ افتتاح الدار قبل نحو ٣ أعوام، مثلهم أنا كنت قلقة ومهمومة وفكرت في الحلول والبدائل لكن ابتسامة الطفل محمد زين الذي اسمى نفسه حمدوك إعجابا بمقولة شكرا حمدوك،و أحلام الصغير مصعب التي اخبرني أنه ينوى تحقيقها عندما يكبر بددت قلقي، وأعطتني أملًا مضاعفًا ويقينا في الله أن غدا أجمل بهم ومعهم وبكل القلوب التي ما زالت حية ومعطاءة لأن "بلدنا مليانة ناس عايشة عشان تدي وتبنيهو البنحلم بيهو يوماتي عشان عيون أطفالنا ما تضوق الهزيمة".

سعر الجنيه السوداني الآن
كتاب آخرون
موناليزا القدال ونيرتتي الجمال
من أين لي بقلم يماثل يراع شاعرنا المجيد محمد طه القدال لأرسم بريشته المرهفة...
نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني
لمتابع لمسيرة الاقتصاد السوداني منذ الاستقلال يلاحظ غياب الهويه والمنهج المرتبط بالمصلحة الوطنية العليا٠ فكانت .....
رأي ومقالات
"ضل النبي" ...الصادق والرشاد...والحالمون.. وحمدوك ومستقبل الوطن
حديث السيد الصادق المهدي عن الحالمين والراشدين، يشرح هذه الهوجاء التي نحن فيها. فمهما أعجبك الحديث أو وجدت في نفسك ....
موناليزا القدال ونيرتتي الجمال
من أين لي بقلم يماثل يراع شاعرنا المجيد محمد طه القدال لأرسم بريشته المرهفة...
الفشل لمْ يَكُنْ محصوراً في النُخَبِ أو السياسيين فقط!
ظللت أكْتُب مُنْذ سنواتٍ كثيرة عن فشل الشعب السوداني في اجياله "من تلاتين سنة لفوق"، إلّا مَن رَحَم ربي .....
نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني
لمتابع لمسيرة الاقتصاد السوداني منذ الاستقلال يلاحظ غياب الهويه والمنهج المرتبط بالمصلحة الوطنية العليا٠ فكانت .....