أحمد القرشي إدريس

وردي...رحيل الصوت وبقاء القيم لأركان الوطن...

كدت أسقط وأنا أرى والدي يحضن وردي، وأنا أقف على أصابعي أتطلع إليهما من خلال حاجزِ مغطى بجرانيت أسوان المائل إلى الحمرة، يفصل موظفي بنك الشعب عن المترددين لخدماته، في نهار ذلك اليوم من العام 1976...، جاء وردي مسرعا وخلفه والدي فسلم علي بحرارة...وقال لي : ما أجمل اسمك: قرشي..ورطن مع أبي قليلا ثم أخذني أبي، وأنا ما زلت غير مصدق أن الرجل هو وردي نفسه، سألت والدي مرارا: هل من سلمنا عليه وردي؟؟: ولا ينفك أبي يقول ..نعم..هو...

 

زهوت بذلك وسط أقراني ردحا من الزمن. ولم أكف عن الإشارة إلى أنه قريبي وصديق والدي خصوصا عندما غنى في فرح أخي الأكبر محمد إدريس نهاية السبعينيات.

عندما كنا في لندن في شقته في ميدفيل، أوائل العام 1995، بعد عودتي من القاهرة ولقاء أسرته هناك، رأيته واجما على غير عادته، وعبد الخالق عمه بصحبته، قال بتأثر: البعد عن الأهل والوطن يتعب قلبي.

قربنا من وردي في لندن، صديقه الإعلامي المعروف الجواد معاوية ياسين، وزاد من اللحمة تأكيدنا على صلة الدم والصداقة العميقة الطويلة التي ربطته بوالدنا رحمه الله.  

طالما حفظت وقاراً كلما التقيت وردي وتحدثت إليه طوال عقود. فالرجل وجدته دائما في فرحه وغضبه ومرضه وصحته، شامخا راسخا، يحمل آلاء أصحاب الحكمة الميامين. ابتسامته تطمئنك بتسيد الظل البارد الدافئ في تغير المواسم، ونفاذ بصيرته يغمرُك بالسكينة لثباتِ وتجذر أعمدة الأرض التي نحن فيها، وتضفي الأناقة المجتهد فيها والوسامة ذلك العنصر المكمل لشخصية تاريخية متفردة، المغني العظيم فيها، جانب من اللوحة الثلاثية.

 

وكنت في الجريف نوري مع محمد الحسن سالم حميد، في 1987 وزرنا الطرابيل، يومها حلمت بالشمس تأتي اشعتها ذهبية ترمي بنورها على خطِ تطبق عليه الظلمات، وترى في مساره النيل بأسماكه وحيواته، والشجر بين أطرافه مثمراً والنخل باسقاً يهتزُ طرباً، ويتدفق النور من ضفة مروي إلى نوري إلى الطرابيل، وكأنما وقفنا وحميد على علوِ، تبعنا الضوء فبدأ في التمدد متواضعاً لتظهر على جنباته صفوف رجال يمسكون بالحراب مدججون بالسهام والاقواس والسيوف، همهماتهم في انتظار، وينحدر الضوء، لتصبح الصورة كأنها تكبرُ، وتتوقف عند كرسي مهيب ذهبي نحاسي فضي، حوافه الأمامية كورق النخيل واتكاءة الظهر والرأس على أشكال نجوم وأهلة منسوجة بحرير أسمر يميل للسواد، يقوم على أركانِ حواف زجاجية مرمرية، ثم يعلو الهتاف ويتوجه النور نحو مهيب يمشي في ملبس يشبه الجلباب الأبيض لكن تتنزل منه ألوان طرزت في الجلباب بعناية من وسطه إلى أخمصه مع عمامة بسيطة من الدمور بها نجمة من زمرد، وشال كأنه درع يغطي كتفيه لونه أزرق بأطراف بيضاء..ويتوقف موكبه ليعلو ويتكثف النور القادم من وراء النهر ويصعد نحو جبهته ..رأيت وجه وردي في ابتسامته التي أعرف، ويتكور النور ويتفجر ليبسط نهارا على الساحات المحيطة فتصيح جحافل الجنود:

 

جئناك من مخابئ الخوف وحب الولد لنبني عز الأحفاد..فيغنون للأجداد الأحياء والأموات...جئنا من صحراء العدم لنعمر الأرض بنبت حياة النيل الوريفة..ونكف أيدي الناس عن إيذاء أنفسهم..ونبسطُ قيم العزيز الحكيم...

 

هي الصورة السامقة المُطمئنة بقيت حتى قضى الله أجلا كان مكتوبا على وردي. خشية وخوف ينتابانني منذئذ يتسربان إلى فؤادي، فركن أصيل من حماية قيم الحق والخير في هذا البلد قد ولى، وبقي الصوت بكلماته وألحانه يذكر بما ننوء عن حمله للوطن.

اللهم يا خير الغافرين يا أهل المغفرة يا أرحم الأرحمين...إنك أنت السميع المجيب، فتقبل محمد عثمان وردي قبولا طيبا مباركا فيه وأعفو عنه بإحسانك يا ولي الصابرين...

 

 

سعر الجنيه السوداني الآن
كتاب آخرون
فيم نتشاور يا مجلس الشركاء؟!
هل لاحظتم خلو وزارة الدكتور / عبدالله حمدوك من الإخوة المسيحيين عموماً والطائفة القبطية على وجه الخصوص؟! وقديما كانت....
التسوية السياسية.. الفريضة الغابة وحياة الإمام
التسوية السياسية تعتمد على المكان الذي تقف عنده في النظر إليها، عند البعض هي صراع آيديولوجي بين برامج اليسار واليمين..
الردة مستحيلة.. ولكن
البيئة تصير بفعل الممارسات الخاطئة، فيستغلها(مغامرون)، ليستولوا على السلطة بليل..اليسار بقيادة الشيوعيين..
رأي ومقالات
وردي...رحيل الصوت وبقاء القيم لأركان الوطن...
كدت أسقط وأنا أرى والدي يحضن وردي، وأنا أقف على أصابعي أتطلع إليهما من خلال حاجزِ مغطى بجرانيت أسوان المائل إلى الحمرة..
حكومة البدع : تعني غياب الولد الجدع!!
إن حمدوك في نسخته الثانية نخشى أن يكون في وضع أسوأ من حكومته الأولى، و لعل ما رشح في ذلك المؤتمر الصحفي من رئيس الوزراء
فيم نتشاور يا مجلس الشركاء؟!
هل لاحظتم خلو وزارة الدكتور / عبدالله حمدوك من الإخوة المسيحيين عموماً والطائفة القبطية على وجه الخصوص؟! وقديما كانت....
التسوية السياسية.. الفريضة الغابة وحياة الإمام
التسوية السياسية تعتمد على المكان الذي تقف عنده في النظر إليها، عند البعض هي صراع آيديولوجي بين برامج اليسار واليمين..