محمد شمس الدين

شرطة السودان في مواجهة الإرهاب السريع

 

لسان حال المواطن السوداني حين يسمع بخبر اختطاف أو اغتيال مواطن.. ليت أجهزتنا الأمنية المدنية تهتم بأمن وسلامة المواطن المواطن السوداني كما تفعل الدول التي تحترم حياة مواطنيها، إذ تفرض الدول أغلظ العقوبات على من يتسبب في مقتل مواطن أو يتعدى عليه فعلا أو قولا، وتحدد صلاحيات القبض والاعتقال بصلاحيات محدودة وبطريقة تحفظ للمواطن كرامته بعد تقديم ما يثبت ضرورة مثوله باستدعاء مسبب من النيابة العامة بعد إبراز هوية تعريفية تثبت انتماء من يقوم بزيارة المواطن ومرافقته لمركز الشرطة، وتسمح له بأن يصوره ويأخذ بياناته ورقمه التعريفي ليحتفظ بها أو يرسلها لأحد أقاربه إن أراد.

الدول التي تحترم حياة مواطنيها تفرض على الجميع تركيب الكاميرات الأمنية لتساعد في تغطية الأماكن غير المغطاة بالكاميرات التي تتبع للجهات الرسمية، أمام المحال التجارية والمرافق العامة، وتغطي الشوارع الرئيسية بتلك الكاميرات بغرض الحفاظ على الأمن العام والتعرف على أشكال المعتدين. وابحثوا عن عدد الجرائم في الدول التي تغطي شوارع وأحياء مدنها بالكاميرات وتعتمدها في تحقيقاتها وتتعرف فيها على الجناة سريعا بفضل تلك الكاميرات، وللأسف الشديد الخرطوم وغيرها لا توجد فيها كاميرات مراقبة سوى بنسبة 2%، وهذا يساعد في انتشار مختلف الجرائم والاغتيالات السياسية والجنائية، خاصة وأننا في فترة انتقالية يتربص بها قتلة النظام السابق ويعملون ليل نهار على أن يكره المواطن حاله في هذه البلاد.

حادثة اختطاف بهاء التي انتهت باستشهاده على يد قتلة مارقين يتبعون لهذا الجسم الميليشياوي "المسمى بالدعم السريع" الذي يمارس منتسبوه أبشع أنواع الإرهاب السريع، تضع الجميع مدنيين وعسكريين وأمنيين أمام مسؤولية تاريخية، إذ تعني هذه الحادثة وغيرها فشل واختراق المنظومة الأمنية في عاصمة البلاد التي يفترض أن تكون المكان الأكثر أمانا، والاختراق بهذه الصورة يعني أنه تحت سمع وبصر ورضى الجهاز الأمني المدني المعني بسلامة المواطن والذي هو الشرطة التي تتبع وزارة الداخية.

التساؤلات المنطقية التي تقفز إلى الأذهان مع هذه الحادثة.. مالذي قامت به الشرطة منذ انتشار خبر اختطاف الشاب بهاء نوري حتى اليوم؟ هل أعلنت عن فتح تحقيق في الحادث؟ هل استجوبت أيا من المشتبه بهم ؟ خاصة بعد أن أعلن وزير الإعلام معلومات تشير إلى تورط الدعم السريع بشكل مباشر في هذا الحادث المروع، وكذلك بعد أن اقتصر دور جهاز المخابرات على جمع المعلومات فحسب.

الدعم السريع الجسم الذي سطى على هيبة شرطة السودان ومرغ بكرامتها الأرض في رابعة النهار.. الجسم الذي خدع الجميع بأنه سيبقى خارج العاصمة لحين توفيق أوضاعه مع المؤسسة العسكرية إذ هي أكثر الأجهزة قدرة على استيعاب وتدريب هذه العناصر هو الجهاز العسكري.. لكنه عاد إلى العاصمة بصورة أكثر خطورة وسعارا، مستغلا الفراغ الذي أحدثه انصراف الجميع مدنيين وعسكريين عن التفرغ لرعاية شؤون المواطن إلى المناكفات السياسية، وكون له أجهزة استخبارية تعمل في مختلف المجالات الأمنية، مستقطبا عناصر جهاز الأمن الذين تم إبعادهم من مختلف الرتب بدءا بمدير الجهاز السابق عبد الغفار الشريف مرورا بعناصر هيئة العمليات الذين لم يتورعوا عن شن معركة في قلب العاصمة وروعوا الآمنين، واليوم يتضح أنهم يعيدون سيرة جهاز أمن النظام البائد من جديد في أبشع صورة لها.

المسؤولية عن اغتيال بهاء وغيره من أبناء الوطن الذين تم اغتيالهم إما في حوادث فردية أو جماعية في العاصمة أو في دارفور أو في شرق البلاد أو شمالها مسؤولية تضامنية يتحملها رئيس الوزراء الذي يرأس الجهاز التشريعي الحالي الذي يضم المجلس السيادي ومجلس الوزراء ويشرف في ذات الوقت على الوزارة المعنية بأمن المواطن وسلامته وهي وزارة الداخلية، كما أنها مسؤولية رئيس مجلس السيادة المسؤول عن المكون العسكري الذي يشرف على الأجهزة الامنية بحكم الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية.

وصحيح أن مسؤولية التحقيق مسؤولية النيابة العامة إلا أن الحوادث المروعة مثل هذه الحادثة وما سبقها تستدعي حالة استنفار من رموز الدولة عبر إظهار الاهتمام بحياة المواطنين.. تستدعي استنكارا وتعزية علنية فور تأكد خبر وفاة المواطن من أي منطقة أو أي ولاية كان خاصة إذا كان الحادث فيه هذا القدر من الإرهاب مع سبق الإصرار والترصد، وإلا فإن سكوت هذه الرموز وعدم التفاعل يعني تواطؤا أو تخاذلا أو تطبيعا لهذه النوع من إرهاب المدنيين وموافقة من الجميع على أن تنتهك سيادة المواطن وكرامته وتنتهك سيادة هذه الأجهزة العريقة التي نغيرعليها ونأمل أن تسترد عافيتها سريعا، لأن ما يحدث معيب جدا جدا جدا، ويقدح في مسيرة هذه المؤسسات الأمنية التي أسهمت في تأسيس أجهزة أمن دول عديدة ودربت وخرجت عسكريين وشرطيين من مختلف دول المنطقة.

أكثر ما يستفز المواطن السوداني أن تعتبر الجهات الرسمية أن مقتل أحد المواطنين مدنيا كان أو عسكريا بطريقة فيها اعتداء وإرهاب أمرا طبيعيا وتتجاهل أمرهم، في حين تنعي المسؤولين من زملائهم، أليس هذا تمييزا سلبيا؟ حتى في الموت هناك تمييز؟ وهنا لابد أن  أشير كذلك إلى شهداء الجيش الأربعة الذي ارتقوا في إحدى المعارك مع القوات الإثيوبية على الحدود، إذ تنعي الجيوش منسوبيها وتعلن ذلك على الملأ تكريما لهم وتخليدا لذكراهم وتقيم لهم الجنازات العسكرية فلماذا تأخر هذا الأمر.. إذ أن عدم الكشف عن معلومات من استشهدوا حتى اليوم ومنذ سنوات خلت..سيثبت معاني سلبية عند المواطنين الذين يهمهم أمر إخوتهم وأبنائهم الذين ارتقوا دفاعا عنهم، سيضعف من ثقة الشارع في هذه المؤسسة العسكرية المهمة التي مازال يأمل المواطن في أن تثبت له قولا وفعلا أنه يعمل لخدمته وحمايته وتهتم لأمره، عدم الاهتمام بأمر من استشهدوا سيضعف من الروح المعنوية القتالية لدى منتسبي الجيش إذ أن أقل ما يمكن أن يقدم لهم بعد استشهادهم هو تأبينهم في جنازة عسكرية بدلا من الاحتفالات التي يقيمها الجيش والمعارك ماتزال دائرة ودماء الشهداء لم تجف بعد بدون معنى ونسيان منتسبيه الذين ضحوا بأرواحهم دفاعا عن زملائهم وإخوتهم في الوطن.

هذا نداء عاجل للقيادة العسكرية والمدنية بأن تنتبه أشد الانتباه إلى هذه التفاصيل المهمة، إذ أنها من واجباتهم ولا يجوز التغافل عنها تحت أي ظرف من الظروف، ننتظر بيانات استنكار وإدانة لهذه الحوادث الاجرامية.. كما ننتظر جنازات مهيبة عسكرية تحافظ على بروتوكولات التأبين العسكرية المتعارف عليها دوليا.. وإن لم نعتد عليها لأي سبب من الأسباب فلتدرج ضمن أدبيات المؤسسة العسكرية كإحدى محطات التطوير والتحديث. فشهداؤنا يستحقون التكريم والتبجيل، ويستحقون التضامن في وجه من يعتدي عليهم.

وأخيرا هذه دعوة للمواطنين بأن يسرعوا في تركيب كاميرات المراقبة في مداخل منازلهم، ولتكن من الأنواع الحديثة التي تعمل بالبطاريات الاحتياطية لتغطية أوقات انقطاعات الكهرباء المؤسفة، وأطالب مدير الشرطة باتخاذ اللازم لتزويد جميع أقسام الشرطة ومراكز التوقيف والسجون بكاميرات مراقبة لتفادي كل الشبهات والركون للتكهنات في التحقيقات التي تطال منسوبي الشرطة، ولمنع وقوع الجرائم التي تستند على استغلال السلطة وكشف الفاسدين داخل هذا الجهاز المهم، كما أدعو كل المواطنين لعدم التجاوب مع أي من منتسبي الأجهزة الأمنية دون أن يقدموا تعريفا كاملا ويظهروا هوياتهم التي تؤكد صحة انتمائهم للجهات الأمنية ويقدموا ورقة مختومة من وكيل نيابة تفيد بضرورة مثوله وأن يقوموا بإرسال صورة للورقة وصورة للعناصر الأمنية التي تأتي لتنفيذ أمر قبض مستعجل لأحد أقاربهم. حفاظا على حياتهم، فالأجهزة الأمنية مقصرة في واجبها، وعلى الجميع التحوط حتى نرى كيف ستتحرك في مسألة تطبيق أسباب منع الجريمة بدءا بتركيب الكاميرات والعمل على فرض هيبتها بالانحياز للمواطن بحق، وإلا فإن رياح التغيير ستعصف من جديد.

سعر الجنيه السوداني الآن
كتاب آخرون
رأي ومقالات
هلالويا  ونص وخمسة يا حمدوك !!
 لن يأتي خير لمايكل أفندي على يد الغوغاء الذين دمر آباؤهم كنائس سوبا بمعمارها الخرافي وحدائقها البهية برسومات فنانيها ال
الأوفياء يحتفلون بعزيز لدينا ولهم...
لم يجف الدمع علي علي السيد ..إذ بنا نفجع في عمنا واستاذ الهدوء والصبر والسكينة الاستاذ تاج السر محمد صالح .. رحل صاحب ال
ثلاث تجمعات للمهنيين(1964-1985-2018)في حياة الإمام (4-5)
كان الإمام ذو حس فكاهي، يتعاطى النكات والدُعابة ويصنعها، وحينما وصلنا إلى العاصمة أديس أبابا في ديسمبر 2014م وبعد تعقيدا
ثلاث ثورات وثلاث انقلابات في حياة الإمام 2
يواصل الكاتب في سللة مقالاته ذات الطابع التوثيقي لحقبة المهمة من تاريخ السودان تمحورت حول شخصية الإمام الصادق المهدي