محمد شمس الدين

عاصفة الشركاء سيبتلعها إعصار الشارع.. ولات ساعة مندم

تفاعلت مختلف الأوساط السياسية مع الوثيقة التي تم تسريبها عبر منصة "واتس اب" والتي كانت ممهورة بإمضاء رئيس مجلس السيادة لتحدث عاصفة مركزها الخرطوم متحركة مابين مراكز القوى: مجلس السيادة - مجلس الوزراء- مركزية قوى الحرية والتغيير بلجانها - الأحزاب المشكلة لقوى الحرية والتغيير - المراقبون القانونيين والإعلام الخارجي.. وأسجل في هذه الأسطر ملاحظات وتعليقات على التطورات:

- العاصفة في تنقلها بين مراكز القوى كشفت عن عوار قانوني يعترى الوثيقة الدستورية التي قَبل أطرافها أن تضاف إليها تعديلات على عجل وفي الظلام بعيدا عن عدسات الإعلام، إلى أن حصلت على "السند القانوني" واحتلت موقعها في الجريدة الرسمية بمباركة حكومة الشارع أي أن العوار تم تقنينه كما يرى قطاع عريض من المراقبين القانونيين. 

- أبرز ما يعتري الوثيقة من عوار هي تركيبة  المادتين التين استند إليهما قرار تشكيل مجلس شركاء الفترة الانتقالية، المادتان  79 و 80 اللتان أُقحمتا في الوثيقة، إذ لم تتم مناقشتهما -وبرفقتهما بقية التعديلات- مع أبرز وأهم مكونات المشهد السياسي منذ التاسع عشر من ديسمبر 2018 والذي هو الشارع الذي يفترض أنه من يُمد قوى الحرية والتغيير بالشرعية التي يحتاج إليها في تصدر المشهد والتصرف باسمه.. الشارع الذي يفترض أنه من أتى بحمدوك الذي يدين بكامل الفضل له في تمكنه من إحداث هذا التغيير الذي أوصله لقيادة البلاد.

- لم تتم مناقشة الشارع ومعرفة رأيه ولو حتى عبر "التسريبات" وهي الآلية غير المباشرة التي اخترعت تجاوزا للمتاريس التي كانت ولازالت مفروضة على تلفزيون الشعب.. تلفزيون دافعي الضرائب.. الذي توقع الجميع أن يقوم مقام المجلس التشريعي في غيابه فتحول إلى مجرد بوق لجهات وليتها تحسن استخدامه.. 

- اكتفى قانونيو الحرية والتغيير والحكومة برأيهم الذي أوقع الجميع في هذه الورطة القانونية -أو أريد لها أن تظهر كذلك- بينما لو فُتح نقاش عملي ودُعي إليه الشارع -الذي بالمناسبة تنتمي إليه نخبة من خيرة الفقهاء القانونيين والدستوريين- لوجدوا من ينير دربهم ويختصر علينا جميعا وعثاء طريق محفوف بالمهاوي.. لكنها السياسة حين تتم ممارستها لفائدة المصالح الضيقة. 

- ناديت ومعي كثيرون مرارا بضرورة عرض التفاصيل أولا بأول حتى يعرف الشارع مالذي وافق عليه "ممثلوه" من قوى الحرية والتغيير الذين صرفوا الملايين من أموال دافعي الضرائب باسم الشارع على مدار أشهر طويلة.. وهانحن اليوم نبحث عن ملاذ خشية أن تضرب العاصفة الجميع فتحدث أضرارا بالغة. 

- تابعت معظم ردود الأفعال ومنها تصريحات رئيس مجلس السيادة لقناة الحدث التي  أكد فيها أنه لم يكن هناك خلاف مع بقية الأطراف على آلية تشكيل المجلس وكذلك بيان حزب الأمة و تصريح للقيادي في الحزب الناصري والقانوني وعضو اللجنة القانونية للحرية والتغيير ساطع الحاج لتاسيتي نيوز يرفض فيه مجلس الشركاء و قبل ذلك تابعت تصريحات مجلس الوزراء التي أصدرها مكتوبة الناطق باسمه وزير الإعلام فيصل محمد صالح  وكذلك التصريح الذي نشره مكتوبا القيادي في حزب المؤتمر السوداني إبراهيم الشيخ والبيان الذي نشره حزبه وتصريح مني أركو مناوي على تويتر وأيضا تصريح عبد العزيز الحلو، وبيان الحزب الشيوعي وكذلك بياني تجمع المهنيين و لجان المقاومة الذين صدرا بعد انتشار قرار تأسيس مجلس الشركاء متسللا إلى واتسابات النخبة ومنه إلى قيادات الشارع .. و أستغرب كثيرا كيف لساطع الحاج أن يرفض ما اشترك في الموافقة عليه مسبقا، وعلى افتراض انه لم يكن موافقا في شخصه أو حزبه فلماذا انتظر كل هذه المدة كمواطن ليعترض اليوم؟ أم أنها لعبة السياسة والمصالح الضيقة؟ 

- أستغرب كثيرا من أسلوب تعبير ساطع عن اعتراض على شأن داخلي عبر إقحام الجيران والأشقاء في كل فشل يكون عاملا أساسيا في حدوثه، هل يعقل أن يكون هذا أسلوب تعبير لرجل دولة يتواجد في لجنة قانونية لجسم يشكل أحد هياكل الحكم.. 

- بيان مجلس الوزراء الذي تحدث بموضوعية عن أسباب رفضه أغفل أي إشارة للمادتين اللتين وافق عليهما وبارك فتح الوثيقة لإدراجهما خفية دون إخطار للشارع وهما مادتان ركيكتان فضفاضتان يمكنهما أن يتسببا في عواصف أشد ضراوة من هذه التي تعصف بالمشهد السياسي اليوم.. وبالتالي فالمجلس كذلك جزء من هذه المسرحية الهزلية 

- للأسف الشديد تلك التعديلات التي أقحمت على الوثيقة والتي تمنح مساحة تحرك غير مضبوطة لكل من يريد أن يتحرك لمصلحته تم إلحاقهما في ظروف تشابه ظروف الصفقات التي لا يراد لها أن تظهر للعلن فتتم في خلفية احتفلات صاخبة تبعد عنها الأنظار حتى لا تتصيدها عدسات الإعلام والصحافة. 

- العاصفة كشفت هشاشة أكبر تحالف شهدته البلاد في تاريخها ويتضح ذلك من مواقف الحزب الناصري ومن قبله الشيوعي والبعث والأمة التي توضح تماما أنه ماعاد للخطاب السياسي الموحد مكان في المشهد السياسي الذي يَمُور بالخلافات التي يدفع ثمنها الشارع يوما بعد آخر.. 

- المؤكد الآن أن تقصير قيادات قوى الحرية والتغيير في حماية مصالح الشارع في الاتفاق السياسي بات جليا للجميع.. والمؤكد أنه إن لم تحترم هذه القوى الثقة والشرعية التي منحها إياه الشارع واعترفت بتقصيرها جماعات وأفرادا وإن لم تطلب الصفح وتعود للعمل على خدمة ورعاية مصالح الشارع في العلن وعلى الفور، فإنها على موعد مع "إعصار" بدأت ظروفه المناخية في التشكل والعاصفة التي نحن فيها خير دليل على ذلك.. ولتكن البداية بمراجعة الشارع حول رأيه في نصوص اتفاق جوبا ورأيه في المادتين الجديدتين في الوثيقة الدستورية وظروف إدراجها..والأهم رأيه في احتمال تأجيل تشكيل البرلمان !!

- نعم.. تشكيل البرلمان الذي تقول المؤشرات أن هذه العاصفة "مفتعلة" وما هي إلا إحدى عروض مسرحية محبوكة الأدوار يراد لها أن تكون عرضا يشغل الشارع عن مُسَاءَلَة المعنيين عن تأخّر تشكيل المجلس والذين انخرطوا في لعبة المحاصصات ضاربين عرض الحائط بإرادة الشارع الذي يراقب ويمنح الفرصة تلو الأخرى، ومع ذلك ينتهجون معه سياسة حافة الهاوية، 

ولهم جميعا نقول إن الشارع على وشك أن يفقد صبره.. مع حلول ذكرى اندلاع ثورة  19من ديسمبر المجيدة.. ولات ساعة مندم..  

إلى اللقاء 

للتواصل عبر تويتر مع الكاتب

[email protected]

سعر الجنيه السوداني الآن
كتاب آخرون
رأي ومقالات
هلالويا  ونص وخمسة يا حمدوك !!
 لن يأتي خير لمايكل أفندي على يد الغوغاء الذين دمر آباؤهم كنائس سوبا بمعمارها الخرافي وحدائقها البهية برسومات فنانيها ال
الأوفياء يحتفلون بعزيز لدينا ولهم...
لم يجف الدمع علي علي السيد ..إذ بنا نفجع في عمنا واستاذ الهدوء والصبر والسكينة الاستاذ تاج السر محمد صالح .. رحل صاحب ال
ثلاث تجمعات للمهنيين(1964-1985-2018)في حياة الإمام (4-5)
كان الإمام ذو حس فكاهي، يتعاطى النكات والدُعابة ويصنعها، وحينما وصلنا إلى العاصمة أديس أبابا في ديسمبر 2014م وبعد تعقيدا
ثلاث ثورات وثلاث انقلابات في حياة الإمام 2
يواصل الكاتب في سللة مقالاته ذات الطابع التوثيقي لحقبة المهمة من تاريخ السودان تمحورت حول شخصية الإمام الصادق المهدي