محمد شمس الدين

جعباتهم تشكو الخواء

من جماليات اللغة العربية أنها لغة تحمل مفرداتها أكثر من معنى ويتحكم سياق الكلام بمعنى المفردات فمن الكلمات ما تصلح للمدح والقدح في آن معا إما صراحة وإما مجازا وإما مبالغة. كقولنا لشديد الإبداع أنت مجرم أو أنت فظيع.. بقصد الإعجاب بمدى براعة المعني بالوصف.

فوجئت بموجتين على وسائط التواصل الاجتماعي إحداهما تتنمر وتستنكر والأخرى تؤيد المصطلح أو التوصيف الذي حرص أستاذ التاريخ البروفيسور حسن أحمد إبراهيم على إدراجه في سياق حديثه ليوصل المعنى الذي يود أن يوصله دون تعقيد أو مواربة فلجأ بحكم خبرته الحياتية والمهنية إلى مفردة مستخدمة في يوميات المواطن السوداني، وكان جليا أن توظيفه لها كان استثنائيا بغرض إيصال المعنى وتبسيطه، وإن كان من عتب عليه فهو على عدم مبادرته لتبيان أصل المفردة ومواضع استخدامها بما أنها لم تستخدم قبل في الإعلام.

ولو لا أنه خبير بمعنى المفردة وأصلها لما استخدمها في محل التشنيع بمن عناهم من المنتسبين لجمهور المثقفين حيث وصفهم "بالمثقفين المعرصين" وحتما سيتبادر إلى الذهن الآن .. لماذا أورد الكاتب التوصيف صريحا.. سأجيب في السطور المقبلة إذ أنه محور المقال..

كان الحديث المبثوث مباشرة يدور حول من ينتقدون الإمام الصادق المهدي رحمه الله.. وقد كان بقية ضيوف الحلقة من مخضرمي السياسة .. شخصيات اجتماعية معروفة.. كانت تصغي وتومئ وتؤمن على البروفيسور حسن عبد الرحمن جملة جملة..

يعرف معظم الشعب أن هذه البلاد الشاسعة بها من المنتمين لعدة ثقافات ومنهم من يوظف مفردات عربية فصيحة في لهجته الدارجة بشكل صريح ومباشر، وعلى هذا الأساس من " الرقابة" فلو قيلت تلك المفردات على الهواء لأغلقتم هذه الشاشة للأبد.

وبهذا فإني أجد لك العذر أيها الأستاذ الجليل إذ بما بدر من تصرف في نشرة التاسعة يوم أمس يثبت أن هناك من يبحث عن طريق مختصر لصرف الأنظار عن فداحة وشناعة أداءه ففضل طريقا مختصرا، وما علم أن من يلجأ لهذا الأسلوب في التفكير فقد وضع نفسه تلقائيا تحت مظلة من قصدتَهم بتوصيفك الدقيق الذي يصف حالهم اليوم.

لجميع من اختاروا أن يعتبروا المصطلح إساءة للمتلقي مفضلا أن يسير وراء تيار النفاق المجتمعي تعالوا نعرف بعض معاني مصطلح التعريص: فقد أوردت عدة معاجم أن معنى الفعل الماضي "عرّص" هو عدم إجادة الفعل.. عرّص اللحم: ألقاه في الجمر فاختلط بالرماد ولم ينضج جيدا، و العرصة هي فناء الدار .. وتستخدم الكلمة عند أهل الشام "فلان عرصة" أي أنه يقبل أن يبيع كرامته ويتلقى المدح والمال مقابل النميمة و الأعمال غير المشروعة مع كل الأطراف..و يمكن أن يوصف بأنه نوع من الارتزاق وقد يكون الأرخص.

لنأخذ مثالين من مفردات يوميات الشعب السوداني.. أليس في ثقافة السودانيين أن "الجَعْبة" بفتح الجيم هي مفردة مرادفة للمؤخرة وأنها غالبا ماتستخدم بشكل روتيني وثابت في السودان في إطار الذم أو المدح أو مجرد الوصف ..

الجعبة هي ما يحمل فيها الفارس سهام الرماية وهي أقرب لشنطة الظهر ولا أعرف سبب استخدامها في السودان كمرادفة للمؤخرة. ألا تستخدم هذه الكلمة في التلفزيون الحكومي وغيره من وسائل الإعلام.. على لسان المذيعين والضيوف الأكارم.. فلان ليس في جعبته أي حل للأزمة .. فلان ليس في جعبته الكثير من الأفكار.

ما رأيكم في مفردة "الشرموط" أليست مفردة متداولة تستخدم للإهانة والشتيمة بتذكير وتأنيث المفردة.. وأيضا أليست مفردة رائجة في المطبخ السوداني.. في كل بيت سوداني؟ ألا تنطق في مختلف المواقع في البيت والشارع والسوق وبين الناس.. ولمن لايعرف أين أو كيف تستخدم فهي تسمية توصيفية للحم المشرّح الممزق الذي يحول بعد تمزيقه إلى قطع منفصلة إلى لحم مقدد (مجفف) وهي إحدى أجمل الطرق التي استخدمها الأجداد في حفظ اللحوم لفترات طويلة كحل بديل لحفظ اللحوم ... وهتان مفردتان فقط..

لهؤلاء نقول.. لانجرفوا وراء أوصياء المجتمعات وحكموا عقولكم أولا وإلا فإنكم تقومون بالوكالة بممارسة الوصاية على ألسنة ونوايا الآخرين .. والأهم لتعملوا على بذل جهد أكبر لتطوير حصيلة مفردات اللغة وخلفية كل كلمة قبل الحكم على صاحبها بأي شيء... وللمعنيين بأمر الرأي العام فلا بد من تطوير آليات التقصي والبحث وتطوير آليات تبني الآراء من عدمها.

المفردة عبَرت يوم قيلت على الهواء دون اعتراض أو تحفظ أو مبادرة من الضيف أو المحاور وذلك يعني موافقة كاملة ولو كان فيها شيء فكان موقع الاعتراض مع التوضيح في حينه أو بطريقة أكثر لباقة ولياقة..

وهذا يدل على أن من بيده مفاتيح الأمور تلقى رأيا استنكاريا بعد الحلقة فبادر للسير مع التيار وتجاهل أي رأي مغاير.. وللأسف ما وجد سوى نشرة التاسعة " للاعتذار"عبر عنوان رئيسي وخبر مبهم في قلب النشرة ولكن وللأسف فقد شكل الاعتذار إهانة مباشرة للضيف وللمشاهدين إذ لم يوضح مع الاعتذار أن الضيف عنده حق الرد، وهذا من شأنه أن لا يجد التلفزيون لاحقا من يقبل بالظهور ليتلقى إهانة.. بدل الشكر..

سنتابع تفاعل القصة.. وبالنسبة لي فمازال هذا الضيف الجليل ينتظر حق الرد بآلية مباشرة كالهاتف أو الحضور المباشر للاستوديو وتكون تلك فرصته لرد اعتباره بعد هذه الإهانة المباشرة..

أما لسان حال التلفزيون اليوم بكبوات قادته المتكررة يوميا فيقول كاد المريب أن يقول خذوني، و حالهم يثبت كذلك أن جَعْباتهم فارغة.

للمعنيين أقول أفيقوا لتلفزيونكم يرحمكم الله .. وللمعنيين كذلك أقول استقيلوا يرحمكم الله ..

سعر الجنيه السوداني الآن
كتاب آخرون
رأي ومقالات
هلالويا  ونص وخمسة يا حمدوك !!
 لن يأتي خير لمايكل أفندي على يد الغوغاء الذين دمر آباؤهم كنائس سوبا بمعمارها الخرافي وحدائقها البهية برسومات فنانيها ال
الأوفياء يحتفلون بعزيز لدينا ولهم...
لم يجف الدمع علي علي السيد ..إذ بنا نفجع في عمنا واستاذ الهدوء والصبر والسكينة الاستاذ تاج السر محمد صالح .. رحل صاحب ال
ثلاث تجمعات للمهنيين(1964-1985-2018)في حياة الإمام (4-5)
كان الإمام ذو حس فكاهي، يتعاطى النكات والدُعابة ويصنعها، وحينما وصلنا إلى العاصمة أديس أبابا في ديسمبر 2014م وبعد تعقيدا
ثلاث ثورات وثلاث انقلابات في حياة الإمام 2
يواصل الكاتب في سللة مقالاته ذات الطابع التوثيقي لحقبة المهمة من تاريخ السودان تمحورت حول شخصية الإمام الصادق المهدي