محمد شمس الدين

الأحزاب السودانية "التاريخية".. أين هي من تاريخ اليوم

التغريد خارج السرب له عدة أشكال.. وواحد من أحدث أشكاله مانتابعه من تصرفات من الأحزاب "التاريخية" السودانية التي إن أردنا أن نكون منصفين في تشبيه حالتها وأداءها السياسي فإنه يمكننا تشبيه ذلك بإنتاج محتوى تاريخي "مسموع فقط" يتكلم عن حقبة تاريخية "غابرة" لعدم وجود الصورة والمشاهد التي تدعم الروايات المنتَجَة، لذلك لن يلتفت لها إلا قلة من الباحثين وربما الصحفيين الذين سيعملون بدورهم على التحقق منها بطريقتهم.

المواقف التي سجلتها الأحزاب -التي أعنيها بهذا المقال- عقب الإعلان عن اتفاق السلام مع إسرائيل لرفض هذه الخطوة، مواقف تبعث على الاستغراب الشديد، إذ أنهم يعرفون بشكل دقيق كل محطات التفاوض لدفع هذا الملف قدما إلى أن وصل للإعلان الثلاثي، إضافة إلى أنهم جميعا تقريبا اشتركوا في وضع تفاصيل الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية بموادها التي تم تفصيلها لتشمل هذا التطور"ملف السلام مع إسرائيل" وتمنح الصلاحيات التشريعية للبرلمان المؤقت.. فلماذا إذا التحجج بعدم دستورية الخطوة بقولكم "نظرا لعدم وجود المجلس التشريعي" مع أنكم فوضتم صلاحيات المجلس التشريعي لمجلسي السيادة والوزراء مجتمعين!

ألهذه الدرجة تعمدون إلى التضليل ومتأكدون أن الشارع لا يطلع على تفاصيل الأمور ودقائقه.. أو أنه لن يفهم تعقيدات الوثيقة؟ من هي القاعدة الشعبية التي تحاولون إرضاءها بهذه المواقف التي لا تنطلق من منطلق محلي يقدم مصلحة البلد على مصالح "امتدادات أحزابهم العابرة للحدود".. هل هذه القاعدة الشعبية داخل أو خارج البلاد ؟ ألا ترون أن الدول التي ينتمي إليها مؤسسوا وقادة أحزابكم "الأصليين" تجاوزت أفكار ومعتقدات أولئك القادة.. هل تقرّون بأنكم تعملون لصالح قيادات من خارج البلاد.. كيف لكم أن تجمعوا مابين أفكار مستوردة و قانون حديث وعصري ومحلي شاركتم في صياغته.. ألا ترون أنكم ترهنون بانتماءاتكم هذه كل الجهدِ المحلي الذي هو من حق المواطن بالكامل لأفكار لا محل لها في عالم اليوم الحديث والمتطور.

أتوقع وأتمنى أن تحدث انشقاقات جديدة في الأحزاب الآيديولوجية اليسارية السودانية التي لعبت دورا في التغيير.. وربما تحدث تحالفات فيما بين أجنحتها المنشطرة سابقا لتشكيل أجسام حزبية جديدة أو أن تحاول استعادة ذات الأحزاب في شكل من أشكال "الإنقاذ" والسيناريو الأخير محكوم عليه بالفشل مسبقا في تقديري.

هناك عقلاء نعرفهم في تلك الأحزاب، وسيكون انتحارا سياسيا لو قرروا الاستمرار في الدفاع عن أفكار بالية لا يقبلها النظام العالمي فضلا عن المحلي، وفي نظري أنه انتحار سياسي لو استمروا تحت مسميات وشعارات أحزابهم الحالية التي لا تمت للواقع بصلة . إن لم تلحقوا أنفسكم فستخسركم ساحة العمل العام.. لأن الأعذار التي تتذرعون بها للتلويح بمعارضة السلطة الانتقالية غير منطقية بل وواهية ولا تخدم السودان في شيء في هذه المرحلة الدقيقة من عمر البلاد، بل ستُراكم أزماته الداخلية التي هو جزء منها.

وإن كانت هذه التصرفات من أجل صرف الأنظار عن هاجس يدور في خلدنا جميعا يتلخص في شبح المحاصصات فهذه ستكون ممارسة سياسية رخيصة (مع احترامي لشخوصكم) إذ أن أخطر ما سيهدد المرحلة المقبلة هو فكرة المحاصصات التي حاصرتم بها رئيس الوزراء قبل عام، فبعد أن رفعتم شعارات (كفاءات.. لا محاصصات) مارستم ضغوطا على رئيس الوزراء حتى اضطر بسببها للتخلي عن شعاره الأميز حتى الآن: نحن جئنا لنثبت مبدأ (كيف يحكم السودان، وليس من يحكم السودان) وأتمنى من كل قلبي لو يستعيد حمدوك هذا المبدأ.. ولا يخشى أحدا.. أجدد تذكيركم بأن حرصكم العجيب والمستهجن على المحاصصات سيكون أكبر كارثة تحل على السودانيين في المرحلة المقبلة.. وإن أردتم التيقن من الأمر فلتطلبوا من وسائل الإعلام أن تجري استطلاعا حول ذلك.. وسنكون جميعا بانتظار النتيجة!

وبالنسبة للأحزاب الآيديولوجية " التي في الوسط وعلى يمين الوسط" وعلى رأسها الأمة والاتحادي الديمقراطي حظيت بنصيبها من الانشقاقات في فترات سبقت الانتخابات في العهد البائد إلا أن ذلك لا يمنع أن نشهد فيها انشقاقات جديدة كذلك لذات الأسباب.

و لا ننسى الموقف المتزن والمواكب للمتغيرات في حزب المؤتمر السوداني وغيره من مواقف الأحزاب والأفراد المستقلين الذين كان لهم دور رئيسي في التغيير، والذين باركوا الخطوة من منطلق المصلحة العامة للبلاد.

كل شيء قابل للتطور والتغير والمواكبة حتى الأديان والعقائد السماوية ومنها الإسلام تقبل ذلك وهناك مابعرف فيه بفقه الواقع..

وبالمناسبة حتى مايكروسوفت وأبل وأندرويد تستحدث نسخا جديدة.. والأجهزة تتطلب أنظمة تشغيل حديثة كل فترة .

إلى اللقاء

سعر الجنيه السوداني الآن
كتاب آخرون
عمرو شعبان يكتب: وفازت لأنها الشبكة
فوز مستحق في توقيت غير متوقع لشبكة الصحفيين السودانيين ذات الـ12 ربيعاً بجائزة منظمة "مراسلين بلا حدود - السويدية"
رأي ومقالات
عاصفة الشركاء سيبتلعها إعصار الشارع.. ولات ساعة مندم
عاصفة مجلس الشركاء .. حقيقية أم مفتعلة ؟ وكيف سيكون رد فعل الشارع ؟
جعباتهم تشكو الخواء
من جماليات اللغة العربية أنها لغة تحمل مفرداتها أكثر من معنى ويتحكم سياق الكلام بمعنى المفردات فمن الكلمات ما تصلح ...
التلفزيون بحاجة إلى حالة طوارئ خاصة
عد متابعة حوار تلفزيون السودان مع دولة رئيس الوزراء لابد من تسجيل الملاحظات التالية علها تجد طريقها لمن يعنيه الأمر ....
بأي دموعٍ نبكيك، يا سيدي الإمام !
لا يتوقع المرء سوداناً بلا شمس أو نيل أو الصادق المهدي..!