دكتور وجدي كامل

الدولة والثقافة في الممر الموحش

 تظل تعابير، وأجناس الثقافة الفنية والأدبية أسلحة استثنائية التأثير في زمن الثورات عبر التاريخ. ومن حسن الحظ أن لعبت أدواتها وأنواعها الدور الحاسم والأهم هذه المرة في ثورة السودانيين على نظام العسف السياسي والاجتماعي والديني و الثقافي الذي عمل طيلة ثلاثين عامًا ماضية في التصدي لمهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة اسماها دهاقنة نظامه السياسي بـ ( إعادة صياغة الإنسان السوداني ) وبحيث خصصوا لها وزارتين بدلاً عن واحدة. الأولى بقيت في مسماها كوزارة اسميت بالثقافة. أما الثانية فاتخذت مسمى وزارة التخطيط الاجتماعي لتمثل ومن جانبها دور صانع الألعاب الماهر للأولى على نحو مؤثر ودقيق مما أحدث ظلاما دامسا في عروض الحياة اليومية للسودانيين ومحتواها قياسًا بما عاشوه وخبروه من مرونة ثقافية وأحوال خصبة إلى حد فيما يتصل بالتعايش رغم التاريخ المعيب في بعض نقاطه وعلاقاته المتبادلة الكلية قبل ذلك. الثورة التي تفجرت حلقة حلقة، ويوما بيوم هي وفي التعريف الدقيق لها كانت ثورة ثقافية بامتياز استطاعت زلزلة النظام البائد في عمق مراكزه بمضامين ومحتوبات الفعل الثقافي المضاد الذى أتي به الثوار والثائرات بأشكال مذهلة ومفاجأة أطاحت بتوقعات الجميع لجيلهم كجيل وريث لقمع مدروس ومنهج كتبته أقلام وعقول الخيبة الحضارية للإنقاذ المتسلسلة. في هذا المنحى، وعبر الهتافات المتنوعة، والشعارات، والإيقاعات والأصوات المبتكرة التي خرجت من الدفوف والجلود والحديد والأسفلت وحناجر النساء و ظهور قيم ثقافية شعبية، سودانية، ديمقراطية خالصة و أصيلة عادت وفي الجهة المقابلة عادت تستقر وفي منصة الوعى المفاهيم الاستراتيجية العزيزة للفرد والجماعة بعد انحسار ظن به النهاية و المتاهة القصوى في النسيج الثقافي لأهل السودان. ثلاثون عاما من الانتهاك والدهس والخروقات التي لم تمنع من الهتاف والمواجهة بالصدور العارية لآليات الموت. رغم ذلك هتفوا في وجه الجلاد وعصبته: يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور. مكافحة الفساد وخاصة فساد الدولة أصبحت لا تحتاج لكبير عناء ثقافي من محاضرات وورش عمل، مع انتشار وذيوع هتاف سلمية سلمية ضد الحرامية- بل أن صناعة الهتاف نفسه أضحت عملية فنية جماعية صرفة في الصياغة والأداء كما الفعل الثقافي بالغ النبل الذي صدم رموز وأهل النظام الذين اعتقدوا بسلطة مطلقة في تخريب الوعى وتسميمه واختطافه وخاصة وعى الشباب. وقعت الواقعة و أصبح الجميع واستيقظ على فجر ثقافي جديد وقيم ناقدة لما ساد قبلها تمثلت في العديد من الوقائع التي كان من أشهرها وأكثرها درسًا و بلاغة في المسلك الثقافي المتجاوز الحماية التي تمت لرجل الأمن بالعباسية وتسهيل هربه من ذات الثوار الذين كان يزمع قتلهم دهسا. وجاء التفتيش بالذوق وواقعة التبرع بالمال بأرض المعركة ( عندك حتى ما عندك شيل )، و كذلك سقيا رجال الشرطة، بالماء من الأهالي وهم الذين يراقبون الأزقة والشوارع ويهجمون على أبنائهم وبناتهم امام اعينهم وهم يخاطبونهم نحنا إخوانك. وربما هنالك العشرات من الأمثلة الأحرى التي قد لا يتسع المجال لذكرها الأن على أن يتاح في المستقبل بتصميم وكتابة أطروحات علمية من ماجستير ودكتوراة عن ثقافة و ثقافية الثورة، وما قدمته من بلاء حسن وعروض لا تنسى في شوارع ومنحنيات الثورة. وفي كلمة واحدة نستطيع القول بإن الخطاب الثقافي الجديد كان حاضرًا بمواده وأنواعه إذا ما أخذنا بتعريف الثقافة من مدخل الآداب والفنون وكذلك إذا ما تم أخذها في الإطار الكلي كمؤثر وتعبير سلوكي وأسلوب في الحياة. قدمت الثقافة نفسها على نحو عكس أهم القيم الثورية في التاريخ السوداني على الإطلاق . فالثقافات السودانية في ساحة الاعتصام انتصرت لصالح طبيعة تنوعها وثرائها وسلميتها وسمو قامتها - وكمثال لذلك قدم الغناء وأعطت والموسيقى عشرات الأناشيد والشعارات المغناة عبر أصوات وكلمات وألحان، ذات جد وطرافة في التراكيب والمعالجات كما مما أتى بنتائج فورية ساخنة على الأرض تفاعلت معه وتناقلته وسائل التواصل الاجتماعي بما احتواه كذلك من عروض الدراما المسرحية الشعبية الطبيعية. خرج الإبداع الثقافي من كل شيء ومن نافذة وفن كل منظر فقدم التشكيل جدارياته التوثيقية و حزما وأطنانا من البوسترات التي ساعدت في الترويج للمواكب، والسخرية من النظام القديم وكذلك الصورة التي تمكنت من أداء تعبير متقدم في التوثيق للثورة فكانت أداة التثوير الطليعية لما وقع من أحداث من بداية الاعتصام حتى لحظة الفض الآثم الفظيع وبحيث أصبحت متاحة، و استفادت منها القنوات التلفزيونية الإقليمية و العالمية وكذلك منظمات حقوق الانسان في إظهار عنف أجهزة النظام ووحشيتها في عمل التقارير، والأفلام. لقد كانت ثورة ديسمبر ثورة على الثقافة البائدة فصلاً فصلاً وزقاقا زقاقا بحيث مرغت اأفها و أعلنت انتهاء صلاحية عملها وتطبيقها. كان بإمكان الثقافة هذه المرة أن تتحول إلى صناعة مجتمعية نافعة ومجازًا اقتصاديًا نافذًا تدخل في تغذية الدخل القومي العام وتنمية الاقتصاد من مداخل أخرى مستحدثة وذكية باعتماد على تنوع الخزين الثقافي السوداني إذا ما تم التقاط كل تلك الحقيقة الباهرة وتوظيفها في التفكير المتصل بالتخطيط التنفيذي الجديد من قوى الحرية والتغيير. ولكن فإن ما جرى من موقف ورد تنفيذي للثقافة بعد الثورة وقلة الاهتمام بدورها وخدمتها الجليلة التي بذلتها في أتون الثورة قد سبب آلام حادة و خذلانا عريضا تمثل في إعادة إنتاج ذات التاريخ و الموقف الحكومي البائس منها الصادر من عمى البصيرة التخطيطية بأن أصبحت رديفًا خالصًا للإعلام دون وجه علاقة حقيقية بينهما، ودون أن تشهد أية إصلاحات فيما يتصل باتباع سياسة ثقافية جديدة تتصل وروح التغيير وعظمة الثقافات السودانية الممتدة عبر الجغرافيا والتاريخ. غابت المعارض التشكيلية بالنشاط الذي كان منتظرًا، واتسمت الندوات بتقطع وندرة احيانا. لم تعد الساحات والأماكن مواقع للسجال والحوار المجتمعي المفيد المنتج. لم تقع العناية المثلى بالإنتاج المسرحي و الفيلمي بدعم منتظر من دولة ووزارة انصرفت إلى فكرة إعادة هيكلة بعض القطاعات الثقافية وليس رفدها بالحياة والمحافظة على حيوية الفعل الثوري توازيا مع إعادة التخطيط. توقع الناس ومنهم أصحاب الحق من الثوار والثائرات تجميع أرشيف الثورة وحفظ بطولتهم ومآثرهم التاريخية المجيدة وكافة أعمال الفن الثوري الذي أخرجوه في الاعتصام عبر متحف او مكتبة وطنية متنوعة الأغراض. لم يتم شى أو حتى تفاعل تنفيذي مع مبادرات قوى ثورية عديدة ولم يساعد التفكير البيروقراطي من الاستفادة من أرشيف ثورة يندر أن يجود التاريخ الإنساني بمثلها فتقع الثقافة مرة أخرى في الضفة القاتلة والحزينة من التفكير السياسي السوداني العظيم الخيانة لها تحت إمرة الأفكار السياسية المتوحشة والصادرة دومًا من فهم ومفهوم إنها ليست أولوية. انتصرت إرادة السياسة المضادة للثقافة وإن ادعت اهتمامًا بها. كان من الممكن هذه المرة أن ترعى الإدارة السياسية مناهج وأساليب التعاون والشراكة الأهلية والمدنية لوضع الثقافة كحصان لعربة التغيير وكمركز لصناعة صناعة الواقع الجديد لما بعد الثورة واتخاذ قيم النفير لدعم مشروعاتها ومن أهمها التاسيس كما أشرنا لمتحف الثورة كرمزية ضخمة للثورة ومفردات كلامها الحصيف الذي أتت به. كنا سنحقق المعجزة بتشييد المتحف في أوسع مساحة بمنتصف الخرطوم بحيث تصبح مزارا وحجًا يوميا للثوار والثائرات والاجيال القادمة لتعريفهم بما جرى من بطولة بهذه الارض. المتحف كان من الممكن أن يكون مصنعًا منتجًا لكل المستقبل السوداني عبر تمويل و تخصيص الميزانيات بالطرق غير الرسمية ما يعني الدعوة لتأسيس محفظة تختص بالثقافة ومشروعها الأساسي في المرحلة الانتقالية تحت مسؤولية وإدارة حكومية ورقابة من وزارة المالية ولكن وفيما بدا أن المركب قد ذهب بمماحكات السياسة وقلة تفاعل ناشطيها مع ثقافية الثورة والثورة الثقافية عكس ما اشتهت الثورة بأن تتقدم الثقافة الكشف عن هويتها ووجهها الحقيقي في عهد جديد. نعم لقد خرجت الأزمات الواحدة تلو الاخرى ووصلنا زمن الإصابة بأهداف مضادة كثيرة جاءت الجائحة لتكمل سيرتها وكان للثقافة أصلا قدرة لعب دور المصدات والمكافحة ضد الأزمات جميعها. كل ذلك الموقف السالب من ثقافية الثورة والثورة الثقافية رمى وفي نتيجته إلى المحافظة على الثقافة السياسية الخراب والعقل النابذ لمحتوياتها العلمية ومحاربة العائد المتوقع من تحولات الذهنية القائدة والمجتمعية وانفتاحها نحو الأفكار الإبداعية الجديدة القادرة وحدها على تحسين الواقع إن لم نقل تغييره. الآن يقترحون انكفاءا ملزمًا للثقافة في الا تنطلق وتعمل بمفهوم التأجيل لنطق أحكامها و إطلاق قدراتها تحت تبرير انها اداب وفنون للعجب. لقد جلب النظر لها وللأسف كقرين للمناسبات وخاصة السعيدة منها دون أدنى انتباهة للطاقة الكامنة فيها كسلاح ضارب للوعى الخلاق و لإنتاج الحلول. نظروا لها من زوايا نظر المخيلة العاجزة عن تصورات الجانب الآخر لها وأنها علاج ايضا للكوارث يكافح الأزمات بالتنوير ما يجعل، وجعل مجرد الحديث عنها حاليا سببا و مدعاة ربما لاستخراج المسدسات في وجه الناطقين بسيرتها او القائلين بأهميتها ودورها في الإصلاح والبناء الوطني العام والشفاء، أولا من عاهة التفكير السياسي المزمنة .

سعر الجنيه السوداني الآن
كتاب آخرون
نذر مواجهة إعلامية قادمة
في مخاطبته العيد الثمانين لـ (هنا أمدرمان) قبل أيام ذكر السيد لقمان أحمد مدير الهيئة العامة للإذاعة....
ترامب يحرِّك الرُخ، فهل يَنْتَصِر مرّة أخْرى؟
المُمَثِل الشهير جيمس وود شخصٌ محبوبٌ لا في هوليوود فحسب، وإنّما في كل الولايات المتحدة وله تأثيره....
رأي ومقالات
نجوى قدح الدم...رحيل مبكر لم ينتظر الغد..
عندما يهب الموت واقفاً فلا تستأخر قبضته..ومنذ رأيتها في ثمانينات القرن الماضي في أروقة جامعة الخرطوم لفتنا فيها الحذاقة
يونيو من مايو، والبشير من النميري:حقائق حول أسْطوانة مَشْروخَة
# كان النميري يَحْكُم السودان بالودِعِ أوّل عهده، وآخِره بخُزَعْبِلاتِ الذين لَحَسوا عَقْله، لذلك تنقّل مِن فَشَلٍ ...
نذر مواجهة إعلامية قادمة
في مخاطبته العيد الثمانين لـ (هنا أمدرمان) قبل أيام ذكر السيد لقمان أحمد مدير الهيئة العامة للإذاعة....
عقلية- إنما أيه
وصف الأستاذ عثمان ميرغني من على شاشة سودانية ٢٤ أن الذي نفذ الفض هى عقلية.....