ياسر عرمان

الْحَوْراني والطّيار أطِبّاء السّودان يازارعِي الرَياحِين حول بلادي

(1)

مسح اللورد كتشنر شاربه الكثّ وقد انتابته بعض الحيرة ، بعد أن أعاد تشغيل هاتفه الذّكي، الذي انطفأ منذُ حادثة غرق السفينة  المشؤومة في 5 يونيو 1916، والتي لقى فيها حتفه مع ( 737) من زملائه حينما انفجر لغم بهم بالقرب من السواحل الاسكتلندية، وبرحيله ظن كثير من البريطانيين أنهم قد خسروا الحرب..

لم يصدق الفيلد مارشال البريطاني هورتو جيلبرت كتشنر وزير الحربية المتمرس على الحرب، في شتى بقاع الامبراطورية في السودان ومصر وجنوب إفريقيا والهند، وهو يمر على رسائله بعد أن أعاد قراءتها بلغته الانجليزية وبالعربية التي يتقنها ، واستغرب لما حدث في العالم من تحولٍ وهو كولونيالي بمرتبة الشرف، وسبق أن أقام حفلات الشواء الإمبراطورية ، وهو من صناع مجدها في حملاته الملكية، وقد تخصص في سياسية الأراضي المحروقة، وعلى الرغم من أن المناسبة محزنة ولكن شيئاً أشعره بالفخر ، فقد تذكر أنه صاحب فكرة بناء كلية (غردون التذكارية)، وعاد ليتأكد مرة أخرى من الرسائل في هاتفه، وترك الهاتف وأخذ يطالع صحيفة (الغارديان) في خطوطها العريضة وهي تمجد أطباء سودانيين، في الخطوط الامامية لحرب يجهل بعض جوانبها، إنها الحرب ضد الكورونا ! هذه هي المرة اأاولى التي يسمع فيها عن وباء الكورونا، أدار مؤشر التلفاز ووجد حديثاً عن أطباء سودانيين ( الحوراني والطيار) يخوضون حربهم لحماية الشعب البريطاني، حينها تذكر حربه ضد السودانيين في أمدرمان ،وتساءل كيف حدث ذلك؟ وما الذي أتى بهم إلى بريطانيا؟ وعاد يعزّي نفسه أن فكرته في بناء غردون التذكارية قد أثمرت، وحان وقت قطافها في بريطانيا ربما بصورة أكبر من السودان نفسه، فقد أبلغه محرك ( غوغل) أن الاطباء السودانيين في بريطانيا يعدون بالآلاف ، وفكر ملياً ، إذاً لماذا قاوم السودانيون غزو بلادهم؟! ،كانت فكرته ربما لإنزال الرحمة بالسودانيين بعد غزوهم فأنزلوا الرحمة ببلاده.

(2)

قبل مجئ اللورد كتشنر، بأوقات بعيدة وقبل نشأة غردون التذكارية ، وقبل أن يقوم ونجت باشا لاحقاً بإنشاء مدرسة كتشنر الطبية، تخليداً لكتشنر الذي ذهب لحرب البوير في 1899 في جنوب افريقيا، قبل ذلك كانت مروي هي بيرمنغهام إفريقيا، أول من علم البشرية صهر الحديد قبل نشوء بيرمنغهام البريطانية بوقت بعيد، ودخلت المسيحية السودان التاريخي في عام 38 ميلادية، ونشأت ممالك مسيحية في المقرة وعلوة وسوبا / مايزيد على الألف عام وذلك قبل دخول المسيحية إلى أوروبا، وقبل أن يصلي ترامب في البيت الأبيض بمجد الله في الأعالي ضد الكورونا، دون أن يكون في الأرض سلام، ودون أن تحل بالناس المسرة.

في ذلك الزمان ، زمان علوة والمقرة ، كانت بلادنا عظمى، فالشخصية السودانية وذاكرتها التاريخية أتت من هناك ، قبل عام الكورونا.

حينما دخلت المسيحية السودان، كانت أوروبا تعاني من غزو الفايكنز بجلافتهم وغلظتهم ورعونتهم المعروفة، قبل ذلك الزمان دعا تهراقا لمراعاة حقوق الحيوان والخيول.

(3)

مدرسة كتشنر الطبية هي من أعظم المدارس الطبية في إفريقيا، خرجت نطّاسين مهرة وعلماء، منذ إنشائها في العشرينيات، وخرجت نوابغ وسياسيين كذلك، من أمثال ( التجاني الماحي وعمر بليل وخالدة زاهر وعامر مرسال وأحمد عبدالعزيز وطه طلعت وجاستين ياج اروب وعبدالحليم محمد وريتشارد حسن كلام ساكت وطه أحمد بعشر وعثمان بلية )

حينما اتكأ د. عزالدين علي عامر على طاولة مكتبه بشارع هارلي  في قلب المقاطعة الطبية في وسط لندن، كان ذلك الوفاء الاخير لقسم ابقراط بأن يؤدي واجبه كطبيب حتى الرمق الأخير، وعزالدين " عبداللطيف علي عامر" وهو اسمه الحقيقي إذ ولد في نهارات ثورة 1924، وهو من النادرين الذين أبدعوا في السياسة والطب معاً دون التضحية بأي منهما على حساب الاخر، منذ أن قام بتحرير مجلة أمدرمان وهو طالب بالقصر العيني في مصر، وحتى مجيئه إلى لندن، وأدى مهنته كطبيب وهو يفارق الحياة، وهكذا فعل الحوراني والطيار في معركة انسانية باذخة ضد الكورونا، ورفعوا اسم السودان عالياً  في سماوات المجد وفي إنسانية بلا حدود وطب بلا حدود.

(4)

عادل الطيار اخصائي زراعة الأعضاء والذي عاد بعد أن تقاعد، بعد أن سمع بأن أعداء البشرية من الفيروسات قد عادوا بفعل فاعلٍ أو بغيره، وأمجد الحوراني استشاري الأذن والأنف والحنجرة الذي كانت الحياة أمامه مديدة واختار بدلاً عن ذلك واجبه، فليكن ذلك خصم من حسابه في الحياة، وحينما ينحسر الوباء سيحتفي الاطباء والشعب في بريطانيا والسودان، وسنوقد لهم الشموع ولعل اسمائهم تطلق على الشوارع والمقاطعات الطب الطبية في بريطانيا قبل السودان ، حتى تنحسر العنصرية والوباء معاً. إن حياة الإنسان قصيرة وجديرة بأن نمضيها في خدمة الإنسانية، وهكذا فعل الطيار وحوراني. والمجد لهم والعزاء لأسرهم.

إن مايقوم به الأطباء وأطقمهم من ممرضين وفنيين وإداريين، لهو بطولة في أزمنة الوباء، تستحق لا أن نصفق لها من شرفات المنازل  فحسب بل من شرفات القلوب.

(5)

في ثورة ديسمبر المجيدة ، كان الأطباء في المقدمة ، يداوون الجراح والجرو ، وشهداء وجرحى يبحثون عن بناء سودانِ جديد في طريقٍ يمتد إلى ستيف بيكو، سأل القاضي بيكو : أنت ملون ( رمادي ) لماذا  تطلق على نفسك أسود؟ ورد بيكو على الفور: أنت وردي لماذا تطلق على نفسك أبيض؟ ، ظن البوليس أن بيكو قد مات ولكن بيكو صعد إلى الحياة حينما انجلى غبار الحياة.

وعلي فضل، عاد من صمته بهتافات ديسمبر المجيدة، وولد فضل حركة الاطباء من فضلِ على فضل، وحكم الإعدام الذي صدر بحق مأمون محمد حسين، كانت طلقة طائشة لم تصب حركة الأطباء، وزادتهم شجاعة وإيماناً بقضايا وطنهم.  

في أوقات عديدة شكل المحامون والقانونيون والقضاة، على نحو فاعل حركة السياسة في بلادنا ولكن الأطباء الذين انتموا إلى الشعب، كانوا أكثر التصاقاً بمعاناته، هذا لن يسقط من الذاكرة، بعض الأطباء الذين تسببوا في معاناة الشعب وجل همهم تحصيل رسوم في العيادات الخارجية وتحويل الطب لسلعة رسمية يحكمها الربح قبل الإنسانية، والمستشفيات الخاصة التي تقف مثل الحوانيت الجشعة على قارعة الطريق.

(6)

‘ن عالم اليوم المتحكم في حياتنا، يهتم بإنقاذ (وول ستريت ) أكثر من البشرية نفسها، و‘ن السوق الحر واقتصاده، أكثر حرية  في استباحة القيم الإنسانية الرفيعة وضرورات الحياة الانسانية، واهتم بالمباني لا المعاني وحينما غابت المعاني كانت المباني خاوية. .

الكورونا قد كشفت عجز وحيرة النظام العالمي والعالم الح، الذي أخذ الوباء حريته وأوصد العديد من التخرسات باسم القيم، وأضحى الناس من هول الوباء موتى على قيد الحياة.

هذه أيام يفر فيها الإنسان من أخيه وامه وأبيه ، وتحولت أعظم المدن التي أبدع في بنائها اإانسانإالى مدن أشباح واستفاق المالكين لأسلحة الدمار الشامل على عجزهم في مكافحة فيروس شامل! واستحالت كثيراً من أحلام الأقوياإ الى كوابيس، في أدمغة المتنمرين الكبار قبل الصغار، وثمة درس إنساني يبقى من كل ذلك، إن الحياة الحديثة ينقصها الكثير لتصبح أكثر إنسانية، وأن تليق بالإنسان قبل غيره، ولأن الانسان كان ظلوماً جهولاً رغم التقدم العلمي الذي يجب أن يكون محوره الإنسان لا الآلة ، فالإنسان الذي صنع الآلة بدلاً من أن  يكرسها لتصبح حياته أكثرإنسانية أصبح الإنسان خادماً للآلة ، ومكرساً حياته لها ، بدلا من أن تكون الآلة والتقدم العلمي في خدمة الإنسان وجعل الحياة اكثر انسانية ورفاهية.

(7)

استفاق اللورد كتشنر بعد أن استغرق في التفكير، وهو يفكر في معنى الحياة البشرية والقيم الإنسانية، وما راح على يديه من أناس في حروبه وأمجاده التي لم تدم، وفي بلادٍ غزاها من قبل وعادت لتغزوه، في تلك اللحظة وجد أن المجد كله كان في بناء كلية غردون التذكارية، أكثر من المجد والأوسمة التي حصدها في حرب أمدرمان وضد البوير في جنوب افريقيا، وحروبه ضد فقراء الهند ،وتمنى لو أنه بنى أكثر من كلية تذكارية،روحمد وشكر الرب على كلية كتشنر الطبية وأقرانها وأقربائها من الكليات الأخرى التي بعثت بالآف الأطباء السودانيين إلى بريطانيا وهم الآن في خطوط المواجهة الأولى لمكافحة الوباء، وتذكر خطوط المواجهة التي تحصل منها على الأوسمة، ولم يجد وساماً واحداً تحصل عليه في مكافحة وباء، واستغرقه التفكير مرة أخرى، وقرر إرسال رسالة ليضم صوته لتكريم الحوراني والطيّار، لعلّ ذلك يخفف بعض آلامه من معارك الأمس التي خاضها.  

مسح اللورد كتشنر شاربه مرة أخر ، متأملاً كيف تغيّر العالم والحياة، والإمبراطورية التي لا تغرب الشمس عنها، وفكّر في ما تدخره الحياة من تغييرات بعد أن ينقشع الوباء ويغيب من يغيب وينهض من ينهض، وسقطت دمعة من عينيه، وتخطت شاربه إلى ذقنه التي اعتاد حلاقتها باتقان، وهو يتذكر معاناة الأطفال الصغار، الذين لم يدركوا معنى هذا الوباء، ولم يشقوا طريقهم بعد في الحياة.

نهض اللورد كتشنر ولبس بزته العسكرية، والقى نظرة أخيرة على هاتفه الذكي، ووجد صورة الحوراني والطيار مكتوبٌ عليها، رسالة من شعب السودان " الحوراني والطيار، أطباء السودان يا زارعي الريحان حول بلادنا" فابتسم كتشنر ومضى إلى حال سبيله والسفينة تغوصُ عميقاً قرب الساحل الاسكتلندي، وادرك أنه يغرق بعد أن نجح في كل معارك الخطوط الأمامية فها هو يغرق لمجرد أن لغماً ألمانياً غير مرئي قد اصاب سفينته، وأمامه العالم كاد يغرق من فيروس لايرى بالعين المجردة.

 

سعر الجنيه السوداني الآن
كتاب آخرون
نجوى قدح الدم...رحيل مبكر لم ينتظر الغد..
عندما يهب الموت واقفاً فلا تستأخر قبضته..ومنذ رأيتها في ثمانينات القرن الماضي في أروقة جامعة الخرطوم لفتنا فيها الحذاقة
نذر مواجهة إعلامية قادمة
في مخاطبته العيد الثمانين لـ (هنا أمدرمان) قبل أيام ذكر السيد لقمان أحمد مدير الهيئة العامة للإذاعة....
رأي ومقالات
"أنْتِيفا" التي يَتّهِمها دونالد ترامب.. ما لها وما عليها، وما هي؟
ما هي أنْتِيفا ـ Antifa ـ، الحركة اليسارية الراديكالية التي يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعْلانها "مُنَظّمة .....
نجوى قدح الدم...رحيل مبكر لم ينتظر الغد..
عندما يهب الموت واقفاً فلا تستأخر قبضته..ومنذ رأيتها في ثمانينات القرن الماضي في أروقة جامعة الخرطوم لفتنا فيها الحذاقة
يونيو من مايو، والبشير من النميري:حقائق حول أسْطوانة مَشْروخَة
# كان النميري يَحْكُم السودان بالودِعِ أوّل عهده، وآخِره بخُزَعْبِلاتِ الذين لَحَسوا عَقْله، لذلك تنقّل مِن فَشَلٍ ...
نذر مواجهة إعلامية قادمة
في مخاطبته العيد الثمانين لـ (هنا أمدرمان) قبل أيام ذكر السيد لقمان أحمد مدير الهيئة العامة للإذاعة....